محمد بن ابراهيم الوزير اليماني ( ابن الوزير )

206

العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم

وتديُّنُه ، وإن لم يثبت عُرف ، لم يكن له في الآية حُجَّةٌ علينا ظاهرة تحرم المخالفة ، فكان الظاهرُ الإجمال ، لأنا إن قدَّرْنا أن المضمر المحذوف شيء معين ، كان تحكُّماً ، وإن قدرنا جميعَ الأمور المحتملة ، كان تقديرُ ذلك لا يجوزُ ، لأن إضمارَ واحدٍ يكفي ، والزيادةُ من غير ضرورة محرمة ، واللفظُ لا يدل على العموم في تلك المضمرات ، ولأنَّ القولَ بأن الله أراد كذا وكذا فيما لم يدُلَّ عليه اللفظُ ولا العقل ، قولٌ على الله بغير علم ولا ظن ، وذلك محرم إجماعاً مع ما وَرَدَ من تحريم التفسير بالرأي وسيأتي في آخر الكتاب . والقويُّ أنَّه لا عُرْف في لفظة الركون على انفرادها ، لكنها إذا أُضِيفَتْ إلى صفةٍ مذمومة ، وتعلَّق بها التحريمُ ، كان المفهومُ في العرف أن التحريم يتعلق بتلك الصفة المذمومة ، فيكون المعنى : ولا تركنوا إلى الذين ظَلمُوا في ظلمهم ، كما أن المعنى في قوله تعالى : { وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ } [ لقمان : 15 ] في إنابتهم ، لا في مطاعمهم ومشارِبهم وسائرِ مباحاتهم ، والعُرف شائع في نحوه ، فإن سَلِمَ ، بطلت الحُجَّةُ ، وإن نُوزِعَ فيه ، فالنزاعُ في ما عداه أشدُّ ، والفهمُ لغيره أبعدُ ، والله أعلم . وَيعْضُدُه ما ذكره الإمامُ محمد بن المطهّر بن يحيى أن الموالاةَ المجمع ( 1 ) على تحريمها إذا كانت لأجلِ الموالى عليه مِن القبيح ، ومن الظن أنَّه ( 2 ) القدر المتحقق إرادته ، والزائد عليه قول بغير علم ، ويَدُلُّ على ذلك كثرةُ المقيدات لإطلاق النهي عن الركون ، ولو لم يرد في ذلك إلا قولُه تعالى : { لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّين } الآية ، ولذلك قالت الهادوية مع تشديدهم في ذلك : إنَّه يجوز محبةُ العاصي لِخَصْلَة خيرٍ فيه .

--> ( 1 ) في ( ب ) : المجتمع . ( 2 ) في ( ب ) : أن .